القرضاوي - طه كلينتش
GAZETE YAZARI

القرضاوي

28 September 2022, 11.33

يوم الجمعة الموافق 14 كانون الثاني/ يناير 2011 أقيم احتفال كبير في مسجد عمر بن الخطاب الواقع في إحدى الضواحي الخارجية لمدينة الدوحة عاصمة قطر، وبعد صلاة الجمعة اعتلى الخطباء المنابر وجلس المصلون للاستماع إليهم

في ذلك اليوم خطب الدكتور يوسف القرضاوي خطبة حماسية مدوية وألقى بعدها كلمةً لم تقلَّ حماساً عن الخطبة، وذلك إثر سماع خبر من تونس بأن الرئيس زين العابدين بن علي قد استقال ولجأ إلى السعودية مع زوجته ليلى الطرابلسي وأولاده، بعد أن استمرت المظاهرات ضده لمدة شهر تقريباً، وكانت هذه الحادثة في تونس أولى ثمار الربيع العربي، وفي الكلمة التي ألقاها القرضاوي تلى قوله تعالى {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} سورة الأنعام الآية 45 ، مشيراً إلى أن كل ظالم ودكتاتوري سينال نفس الجزاء وستكون عاقبته وخيمة.

كنتُ حاضراً ذلك اليوم، كانت رؤيتي للقرضاوي آنذاك ـ وهو فرح بذلك الخبر السار الذي شهده في أواخر حياته ـ تعادل قراءة كتاب ضخم عن التاريخ الحديث للمنطقة.

وقبل يومين توفي يوسف القرضاوي عن عمر ناهز 96 عاماً بعد أن عاش حياة مثمرة مباركة.

أما عن حياته فقد ولد القرضاوي في قرية صغيرة في مصر و أمضى حياته بالعلم والاجتهاد، وكان دائماً يحتل مكاناً في التطورات السياسية النشطة، وفي شبابه دخل السجن بسبب قربه من الإخوان المسلمين، وفي ستينات القرن الماضي انتقل إلى قطر واستقر فيها وتابع نشاطه العلمي

وبفضل العلاقات الوثيقة التي أقامها القرضاوي مع النخب الحاكمة رسمت هذه الدولة الصغيرة (قطر) في الخليج مساراً مختلفاً لها، وحافظت على السلام مع الخط "الإسلامي"، ورغم الأزمات المختلفة التي مرت بها مع الدول المجاورة فقد تمكنت من أن تصبح أحد أهم المراكز في العالم الإسلامي، وعلى الرغم من الأزمات المختلفة التي مرت به مع جيرانها ، فقد تمكنت من أن تصبح واحدة من المراكز الهامة في العالم الإسلامي - من خلال تجاوز أبعادها المادية -، أما القوة السياسية في قطر فقد كان لإنشاء قناة الجزيرة عام 1996 وظهور القرضاوي كطرف رئيسي هناك دور كبير في تعزيزها.

أصبح "عالم الأزهر" من قادة الرأي يخاطب الشعوب العربية بشكل مباشر، وخطيبًا مفوهًا يوجه الجماهير بفتاواه، كما كان على اتصال عضوي بالحركات الإسلامية وعلى اتصال مباشر بالعديد من القادة، وسرعان ما تجاوزت شهرته العالم العربي كمؤثرٍ دينيٍ وسياسيٍ يُصغى له من الشرق إلى الغرب.

تسبب القرضاوي في جدل كبير بفتواه التي أعطت الضوء الأخضر للجماعات الفلسطينية بتنظيم العمليات التفجيرية "الاستشهادية" في إسرائيل، وبينما اعتبرته وسائل الإعلام الغربية "إرهابياً"، علقت العديد من الأسماء والمؤسسات المهمة من العالم الإسلامي على هذه الفتوى. ومما زاد من حدة الانتقادات للقرضاوي هو أن إسرائيل كانت تتسبب في المزيد من الأذى للفلسطينيين بعد كل عملية استشهادية، وفي عام 2016 تراجع القرضاوي عن فتواه وأعلن أنه "لا داعي لمثل هذه الهجمات بعد الآن"، من المؤكد أن السبب الأكبر الذي دفعه إلى هذا هو العمليات الانتحارية التي كانت تقوم بها داعش في ذلك الوقت، لابد أن القرضاوي لم يكن يريد أن تتبادر داعش إلى الأذهان عند ذكر المقاومة الفلسطينية.

كما أثارت فتوى القرضاوي الشهيرة بمضمونها "زيارة القدس حرام" الكثير من الجدل، ورأى أن مثل هذه الزيارة "تساهم في إضفاء الشرعية للاحتلال الإسرائيلي"، لكن بعد فترة من الزمن اتضحت مخاطر ترك فلسطين والفلسطينيين فخفف القرضاوي هذه الفتوى وقال بأنه لا ضرر من زيارة الأتراك وغيرهم من المسلمين إلا العرب، من الواضح أنه كان لا يزال يتكلم من وجهة نظر من يعرف إسرائيل حق المعرفة

بغض النظر عن الجدل الذي أثارته آراؤه الفقهية ومواقفه السياسية حول القضايا الراهنة، فقد احتل يوسف القرضاوي مكانته بين شخصيات التاريخ العظيمة بتأثيره المباشر على ملايين المسلمين، طوال حياته الطويلة حاضَر وكتب وسافر والتقى بالجماهير، دوّن ذكرياته بالتفصيل ونقل تجاربه إلى الأجيال القادمة، ودرَّس عددًا لا يحصى من الطلاب، كما ترك وراءه أرشيفًا رقميًا كبيرًا مستفيدًا من التكنولوجيا يتكون من محاضرات ودروس وخطب ومقابلات مصورة.

تستحق حياة يوسف القرضاوي القراءة بوصفها قصة نجاح شخص استطاع بمفرده تحقيق إنجازات عظيمة في مراحل تاريخية مهمة بالعمل الجاد والإيمان بالقضية، في هذا الزمن الذي قلت فيه مثل هذه الأمثلة المشجعة.

SON DAKİKA

#title#