الوضع أكثر تعقيدًا عن ما تعكسه الصورة - ياسين اكتاي
GAZETE YAZARI

الوضع أكثر تعقيدًا عن ما تعكسه الصورة

21 September 2022, 09.08
ياسين اكتاي

ياسين اكتاي

التقييمات والتعليقات التي جرت حول الصورة المنعكسة من قمة منظمة شنغهاي للتعاون بأوزبكستان كانت بعيدةً كل البعد عن التقييمات الأكثر واقعية. وفي هذا السياق، يعتبر توجه تركيا نحو هذه المنظمة وإقامة العلاقات معها أمرًا أكثر تعقيدًا عن ما تعكسه هذه الصورة.

ولتقييم هذا الأمر يجب أولًا أن نعرف أن محادثات الرئيس أردوغان مع قادة العالم الآخرين (إطار الصورة) ولغة الجسد المنعكسة من هذه الصورة سابقة بكثير لتأثيراتها الفعلية على أرض الواقع في شنغهاي.

بكل تأكيد لا يمكننا القول إن تركيا في وضع يمكنها من جعل جميع قادة الدول الذين كانوا حاضرين في القمة يقبلون ما تريده وفقًا لتلك الصوة المنعكسة من القمة.

وعلى الرغم من كل الحوارات والعلاقات الجيدة التي أجراها الرئيس أردوغان مع الزعيم الروسي بوتين الذي كان يجلس بتواضع على كرسيه في القمة، إلا أنه لا يمكن تقديم أي تنازلات بخصوص المجازر التي يقوم بها مع النظام في الساحة السورية. والذي يعرف قراءة المشهد السوري يجد أن تركيا تعاني من كافة المجالات.

بالمقابل، ترفض تركيا ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم ولا تعترف بهذا الاحتلال وتطالب بإنهاءه. وبنفس الطريقة، ترفض الهجوم والاحتلال الروسي لأوكرانيا ،لكنها لا تتبع نهج وسياسة الكتلة الغربية على الرغم من تواجدها بنفس هذه الكتلة.

وفي سياق متصل، مثلما لدينا خلافات مع الرئيس الإيراني بشأن القضية السورية، لدينا معه أيضًا خلافات أخرى بخصوص الدعم الذي قدمه للأرمن في قره باغ المحررة من الاحتلال الأرميني، وخلافات حول سياسات إيران الطائفية التي تمارسها في لبنان والعراق واليمن التي خلفت عدم الاستقرار في تلك الدول.

بالنهاية لا يمكننا التفكير في اختصار قمة منظمة شنغهاي ضمن إطار تلك الصورة المنتشرة عن القمة، لأننا نجد أن الهند، البلد الأكثر ديمقراطية في تلك القمة، يمتلك عنصرية متزايدة ضد المسلمين، والصين التي اتضحت سياساتها العنصرية والتمييزية تجاه الأتراك المسلمين وممارستها الاضطهاد ضدهم.

والتعاون الوحيد الذي يمكن تواجده بين دول قمة شنغهاي هو التعاون في المجال الاقتصادي، ولا سيما أن تلك الدول لديها خلافات كبيرة، ليس فقط مع تركيا، بل مع بعضها البعض.

ونجد أن الصين وروسيا، أكبر شريكين في منظمة شنغهاي، لا تخفيان تنافسهما وتعاونهما بين بعضهما البعض في العديد من المجالات.

ولنقبل حقيقة هذا الأمر أن الاقتصاد العالمي ليس في المستوى التي تشكلت فيها الرأسمالية لأول مرة. فالدول الأعضاء في منظمة شنغهاي والدول المدعوة التي تُعد أفقر دول العالم إقليميًأ ستكون اليوم هي القوة الاقتصادية الصاعدة في العالم. حيث تقدم منظمة شنغهاي فرصًا اقتصادية جادة لأعضائها.

لا يرتبط تعاون أعضاء منظمة شنغهاي بالمجالات الدفاعية العسكرية والسياسية والأيديولوجية، بل يقتصر فقط على التعاون في المجالات الاقتصادية البحتة.

من ناحية أخرى إذا كانت هناك علاقة لتركيا مع منظمة شنغهاي فلا يوجد هناك متطلبات أو حتمية لا مفر منها حول الابتعاد عن الديمقراطية لأن هذه الدول لا تفرض شروط على أعضائها في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وغالبية أعضائها دول غير ديمقراطية.

بالمقابل، لا تمتلك منظمة شنغهاي للتعاون إيجابيات تؤهلها لتكون بديلة عن الاتحاد الأوروبي أو الناتو. من ناحية أخرى، تسببت الديناميكيات الاقتصادية المتغيرة في العالم إلى نشوء مثل هذه التشكيلات، وكل دولة تريد مصالحها عليها مراقبة الإيجابيات التي يمكن أن تقدمها هذه التشكيلات.

وفي هذا السياق، ربطت تركيا مصالحها على مدى السنوات الماضية من خلال اتباعها نهج التنوع في السياسة الخارجية، فهي لا تتخلى عن مطالبها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي عبر إقامتها للعلاقات مع منظمة شنغهاي.

ربما تشير هذه العلاقة إلى أن تركيا لا تملك خيارات أخرى. لكن هذه الخيارات تزيد من قيمة تركيا لدى الاتحاد الأوروبي. لأن عضوية دولة لا تمتلك خيارات وبدائل أخرى، وليس لديها القدرة على إنتاج قيمة لها وإظهارها للآخرين لن تجلب أي مكاسب إلى الاتحاد الأوروبي.

يمكن لتركيا أن تثبت نفسها وتظهر كمرشح أقوى وأكثر مساهمة في الاتحاد الأوروبي عبر مشاركتها في جميع التشكيلات الأخرى. بالمقابل، يتطلب مفهوم السياسة متعدد الأوجه في عدم تفضيل أحدهما على الآخر وتنويع التحالفات وتشكيلات التعاون.

قد تقدم منظمة شنغهاي مساهمة إضافية للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي من الناحية الاقتصادية ولا يمكن أن تكون بديلًا عن العضوية. ولا تزال تركيا تُدير اقتصاديًا الجزء الأكبر والأكثر استقرارًا من تجارتها مع دول الاتحاد الأوروبي. ومن الممكن تفسير ذلك بطرق عديدة.

تبدو العلاقات مع دول منظمة شنغهاي كأنها ترسم مسارًا ضروري مستقبليًا لكن لا يوجد سبب للاعتقاد أن تلك العلاقات ستفرض على تركيا التخلي عن مسار التحول الديمقراطي. كما أن تركيا لم تعد تشعر بأنها مرتبطة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مسار التحول الديمقراطي (الدمقرطة) الخاص بها. لأن الأحداث التي نعيشها توضح يومًا بعد يوم أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية غير مهتمين بدمقرطة تركيا أبدًا.

والمزاعم التي تشير إلى أن تركيا ستتقدم في مسار التحول الديمقراطي (دمقرطة)عندما تكون قريبة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي هو عبارة عن خرافة موجودة في عقلية التفويض (الانتداب). لأن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لا يدعمان ويعززان الديمقراطية إلا في بلادهم.

ونجد أن جميع الانقلابات والديكتاتوريات في العالم الإسلامي يقف وراءها المتعاونون مع الغرب، والمانع الأكبر أمام التحول الديمقراطي هو الدول الغربية.

بالنهاية، كم سيتم الكشف عن الدعم الذي تتلقاه المنظمات الإرهابية من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة لتكون ضد الديمقراطية في تركيا؟ هل هناك شيء غير مفهوم ولا يمكن رؤيته؟

على أية حال، يجب على تركيا أن تصمم على مسار التحول الديمقراطي (دمقرطة) وحقوق الإنسان بإرادتها ودوافعها.

ويجب تكون الدافع الوحيد التي نحتاجه لتحقيق هذا الأمر هو حقيقة أن أمتنا جديرة بذلك. وهذه الجدارة لا تحتاج أن نستجدي الحصول على الدعم أو حتى الدافع من الآخرين عبر التفويض (الانتداب).

SON DAKİKA

#title#